خليل الصفدي
17
أعيان العصر وأعوان النصر
مضى الأوائل وفي قلوبهم منها أجنة « 1 » ، وكان يميل إلى التسري « 2 » بالأتراك ، ويقع معهن في الحبائل والأشراك ، فكنت أراه جمعة في سوق الجواري ، وجمعا في سوق الكتب ليجمع بذلك بين الدر والدّراري . وتعلّم اللغة التركية من جواريه ، وتكلّم بها فقلّ من يؤاخذه فيها لما يجاريه ، هذا مع براعة في عبارته ، وفصاحة في كلامه وبلاغة في إشارته . أخذ الأصول عن العلامة كمال الدين بن الزملكاني « 3 » ، قاضي القضاة ، وجلال الدين القزويني « 4 » ، لما كان خطيبا ، وغصن برهان الدين المذكور من الشباب رطيبا . ورأيته يحضر دروس العلامة ابن تيمية « 5 » كثيرا ، ويأخذ من فوائده ما شاد به مجدا أثيلا أثيرا ؛ يجلس منصتا لا يتكلف لبحث ولا يتكلم ، ويرى أنه يتعلق بأهدافه ويتعلم ، إلى أن قضى نحبه ، وسكن تربه ، ولقي ربه ، - رحمه اللّه تعالى - . وكان قد درّس في الوقف الجديد الذي أوقفه الأمير سيف الدين بكتمر « 6 » ، والي الولاة بمدرسة الشيخ أبي عمر « 7 » بالصالحية ، وكان درسا حافلا حضره الأعيان في الخامس عشر من شوال ، سنة تسع عشرة وسبعمائة ، ودرس بالحنبليّة داخل باب الفراديس ، العاشر من ذي القعدة ، سنة ست وعشرين وسبعمائة ، وحضره القضاة والفضلاء ، وأولي نيابة الحكم في مستهل جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وأعاد بالمدرسة الصدرية ،
--> ( 1 ) الأجنة : التغير وقد أجن الماء تغير لونه وطعمه . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 3 ) . ( 2 ) تسري : تكلف السرور . والتسري بالجواري والدخول بهن . وسراة الفرس : أعلى ظهره والجمع سروات وفي الحديث : « ليس للنساء سروات الطريق » أي ظهره ووسطه . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 125 ) . ( 3 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها من حرف الميم . ( 4 ) جلال الدين القزويني هو : محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن دلف بن أبي دلف العجلي القزويني جلال الدين أبو المعالي بن سعد الدين بن أبي القاسم بن إمام الدين ولد سنة 666 ه ، وسكن الروم مع والده وأخيه واشتغل وتفقه حتى ولي قضاء ناحية بالروم وله دون العشرين ، وكان فهما ذكيا فصيحا مفوها حسن الإيراد جميل الذات والهيئة والمكارم وكان جميل المحاضرة حسن الملتقى جوادا حلو العبارة ، وتوفى سنة 739 ه . ( انظر : الدرر الكامنة : 4 / 3 ) . ( 5 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها من حرف الهمزة . ( 6 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها من حرف الباء ، وهو يعرف بالحسامي . ( 7 ) الشيخ أبو عمر المقدسي هو : محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة ، المتوفى في دمشق سنة 658 ه .